اخصائي نفسيالأسبوع العربيمقالاتمنوعات

لغز المتعة الخفية وراء الكذب!

لغز المتعة الخفية وراء الكذب!
كتبت/ أسماء الألفي

لماذا يكذب من لا يحتاج إلى الكذب؟
حين يصبح الكذب عادة لا حاجة
المفهوم الطبيعي للكذب أنه مجرد وسيلة دفاعية لإخفاء شيء لو تم الافصاح عنه يسبب له مشاكل.
إذن يكذب الإنسان لينجو من عقاب، أو ليخفي خطأً، أو ليتجمل أمام الآخرين.
لكن هناك نوع آخر أكثر غموضاً وإرباكاً، وهو الشخص الذي يكذب وهو لا يحتاج للكذب أصلاً؛ لا أحد يتهمه، ولا مصلحة واضحة له، ومع ذلك يكذب…. فلماذا؟
علم النفس يخبرنا أن الكذب ليس دائمًا لسبب دفاعي، بل قد يكون حالة نفسية بحد ذاته.
أولاً: لماذا يكذب الإنسان دون حاجة؟ هل لمتعة الكذب نفسه!!

مقالات ذات صلة

ــ تفسير الكذب من منظور نفسي.. لماذا يكذب البعض بلا سبب؟
هذا ما يسميه علماء النفس “الكذب المرضي أو القهري” Mythomania وفيه لا يكون الدافع ماديًا بل نفسيًا:
1- إخفاء فراغ داخلي:
بعض الأشخاص يكذبون لأن واقعهم يبدو لهم باهتًا وغير كاف؛ فيخترعون قصصًا عن بطولات وهمية أو علاقات أو نجاحات ليشعروا بأنهم أكثر أهمية…. الكذب هنا محاولة لترميم صورة ذاتية مهزوزة.
2- لفت الانتباه والحصول على الاهتمام:
الكذبة قد تكون صرخة غير واعية تقول “انظروا إلي” ….عندما يشعر الشخص أنه غير مرئي، يخترع قصة مأساوية أو إنجازًا عظيمًا ليجبر الآخرين على الالتفات إليه، ومنحه التعاطف أو الإعجاب.
3- متعة السيطرة والخداع:
وهذه هي النقطة الأخطر… فهناك من يجد لذة نفسية خفية في أنه قادر على خداع الآخرين؛ يشعر بالتفوق والذكاء عندما يصدقه الناس وهو يعلم في داخله أنه يضللهم، إنها لعبة قوة سرية، يستمد منها شعورًا زائفًا بالسيطرة، لا يدركها سواه.

إذن، نعم.. هو يخفي شيئًا، لكنه لا يخفي حدثًا، بل يخفي شعورًا بالنقص أو الخوف أو الاحتياج.

ثانياً: هل يدرك الكاذب نتيجة كذبه في النهاية؟
في البداية، يظن الكاذب أنه يسيطر على اللعبة؛ لكن علم النفس يؤكد أن من اعتاد على الكذب يقع في فخ خطير، فهو يدرك النتيجة، لكنه يتجاهلها.
يعتقد أنه أذكى من أن يُكشف، ومع كل كذبة تصدق، يزداد ثقة في قدرته؛ حتى يأتي اليوم الذي تنهار فيه شبكة الأكاذيب دفعة واحدة.
وهنا لا يخسر الموقف فقط، بل يخسر ما هو أثمن، يخسر مصداقيته؛ فالناس قد تنسى ما قلته، لكنها لن تنسى أبدًا أنك كذبت عليهم، وعندها يكتشف أنه خدع نفسه قبل أن يخدع الآخرين.

ثالثاً: هل كل كاذب يعتبر خائنًا؟
لا. وهنا يجب أن نفرق بدقة، ليس كل كاذب خائن، لكن كل خائن كاذب.
الكذب يصبح خيانة فقط عندما يُبنى عليه عهد وثقة…مثال ذلك:
ــ زميل يكذب بشأن إنجاز عمله، هذا كذب غير أخلاقي لكنه ليس خيانة شخصية لك.
ــ أما صديق أو شريك يكذب عليك ليستغل ثقتك، فهذا هو جوهر الخيانة.
كذب + ثقة + نية استغلال = خيانة …..هي معادلة متكاملة فإذا غاب عنصر الثقة والاستغلال، يبقى الفعل كذبًا مذمومًا، لكنه لا يرقى لمستوى الخيانة.

رابعاً: هل يوجد ما يسمى بالكذب الأبيض؟ وما الفرق بينه وبين المجاملة المشروعة؟
هذا هو الخلط الأكثر شيوعًا.
1- الكذب الأبيض المزعوم:
هو كذب يقال بنية عدم إيذاء مشاعر الآخرين، كأنك تقول لمريض “شكلك تحسن اليوم” وأنت لا ترى ذلك؛ ورغم أن النية تبدو طيبة، إلا أنه يظل كذبًا، ومع تكراره يفقد الناس ثقتهم فيك لأنهم لن يعرفوا متى تكون صادقًا ومتى تجامل.

2- أما المجاملة المشروعة:
3- فهي لا تعتمد على الكذب، بل على انتقاء الحقيقة وتجميلها بالصدق الفرق دقيق وخطير:
ــ الكذب الأبيض يقول: “هذا الطعام رائع” وهو سيء.
ــ المجاملة المشروعة تقول: “أقدر جدًا تعبك واهتمامك في إعداد الطعام، تسلم يديك”.
الأولى اخترعت حقيقة غير موجودة، الثانية أبرزت حقيقة موجودة (الجهد والاهتمام) وتغاضيت بلباقة عن السلبية.
المجاملة فن يقول الحقيقة بلطف، أما الكذب الأبيض فهو يهرب من الحقيقة بلطف مزيف.
نستخلص مما سبق أن الصدق ليس خيارًا.. بل نجاة
إن الكذب، سواء كان بدافع أو بلا دافع، هو هروب مؤقت من واقع يخشى الكاذب مواجهته، قد يمنحه نشوة انتصار صغيرة، لكنه يبني داخل نفسه سجنًا من الخوف من انكشافه.
أما الصدق، حتى لو كان مؤلمًا، فهو حرية…. هو أن تعيش بوجه واحد، وقصة واحدة…وبلا خوف، فلا تحتاج أن تتذكر ما قلته بالأمس لتغطي كذبة اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى